عبد الكريم الخطيب
507
التفسير القرآنى للقرآن
فكيف يسوغ له أن يقول إن هذا التجاوب بين الموجودات ، وهذا النظام الذي يمسك بها ، ويؤلّف منها نغما موسيقيا منسجما - هو من عمل الطبيعة ذاتها ؟ إن هذا يعنى أن الطبيعة عاقلة ، حكيمة ، مدبرة ، عالمة ، قادرة . . وهذه هي بعض صفات الألوهية . . فلم تسمّى إذن الطبيعة طبيعة ، ولا تسمى إلها ؟ إن المسافة قريبة جدا هنا بين الطبيعة وبين الإله . . وإنه لأقرب إلى العقل والمنطق أن يقوم على الموجود مدبّر واحد ، يؤلف بين وحداته ، ويجمع بين أشتاته ، بدلا من قيام مدبرات تقوم في وحدات الطبيعة ، وتجعل منها نظاما واحدا ! - وفي قوله تعالى : « ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ » . إشارة إلى أن أمر اللّه وسلطانه ، الذي تقوم به السماوات والأرض ، أن تدعوا من القبور بعد موتكم ، دعوة واحدة ، فإذا أنتم قيام تنظرون . . وهذا يعنى أن البعث بعد الموت ، نظام قائم في هذا الوجود ، أشبه بنظام دوران الكواكب في أفلاكها ، والليل والنهار في فلكهما . وفي العطف « بثم » إشارة إلى أن هذه الدعوة التي يدعى بها الموتى لم يجئ وقتها بعد ، وأنها أمر مستقبل ، لا يعلم أحد متى يكون . . وإن كان من المعلوم أنها لا تقع إلا بعد أن يموت الناس جميعا . . وفي تصدير الجملة الخبرية « إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ » بأداة المفاجأة « إذا » - إشارة إلى أن البعث من القبور سيعقب الدّعوة مباشرة ، بلا مهل . . . كما يقول سبحانه : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ » ( 51 : يس ) . والفجاءة إنما نقع على أولئك الذين لا يرجون بعثا ، ولا يؤمنون بالحياة الآخرة . . ولهذا فهم إذا بعثوا أخذهم الدهش والعجب ، وقالوا ما حكاه القرآن الكريم عنهم : « يا وَيْلَنا . . مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟ » ( 52 : يس ) . .